مصير الحضارة المشرقية معلّق على يقظة «المثلث الذهبي»


«طوفان الأقصى»، في ذكراه السنوية الأولى، سرّع بالفعل التاريخ. لكن، أي تاريخ؟ إنه تاريخ إشهار مشروع النظام الإقليمي الجديد، الذي أُطلق عليه اسم «الممر الاقتصادي»، من الهند إلى إسرائيل مروراً ببعض دول الخليج وبمعية الأردن والمغرب والسودان، وصولاً إلى أوروبا.
دور تركيا ومصر في المشروع لمّا يتضح بعد. وإذا ما بدا لاحقاً أنه سيضم هاتين الدولتين الإقليميتين الكبيرتين، فهما قد تحتلان المرتبة الثانية فيه بعد إسرائيل - (المركز)، والمرتبة الثالثة بعد المملكة السعودية (الممول).
قبل «الطوفان»، كان المشروع يحث الخطى سريعاً نحو التنفيذ، عبر اتفاقات أبراهام، والصفقات الأمنية والتكنولوجية والتجارية بين إسرائيل ودول الخليج، كما عبر تحقيق الشرط الرئيسي لإسرائيل حول «حقها التاريخي» في كل فلسطين التاريخية.
ثم جاء «طوفان الأقصى»، فأوقف مؤقتاً هذه المحركات الاندماجية، وأثار الشكوك العميقة حول قدرة إسرائيل على أن تكون ليس فقط القائدة العسكرية/التكنولوجية لمشروع ممر العولمة، بل حتى أن تبقى كنزاً إستراتيجياً للهيمنة الأميركية في المشرق المتوسطي.
هذه الشكوك، مضافاً إليها إصابة مفهوم الردع الإسرائيلي بجروح وندوب مؤلمة جراء «الطوفان»، كانت عاملاً مهما في إطلاق آلة الدمار الجنونية الإسرائيلية على مصراعيها في غزة، ثم لبنان (وربما قريباً في إيران)، و«في بقية أنحاء الشرق الأوسط»، كما أعلن أخيراً وزير الدفاع الإسرائيلي.
بكلمات أوضح، قررت إسرائيل وأميركا «تسريع عجلة» تاريخ ممر العولمة، عبر بدء تنفيذ الشطر المنوط بها وهو السيطرة العسكرية/التكنولوجية على كل منطقة المشرق. وهذا عنى ضرب، أو تصفية، أو شلّ كل أذرع إيران العسكرية في فلسطين ولبنان واليمن والعراق. وقريباً على الأرجح في سوريا. وتتويج ذلك سيكون في إيران نفسها، التي قد يتم العمل إمّا على إخضاعها ووضعها في زنزانة الاحتواء، أو بدء العمل لتغيير نظامها، بدعم ضمني وعلني من القوة العسكرية الأميركية.
كيف سينفّذ عملياً هذا التوجه مع إيران؟
عبر تطبيق نظرية «الذئب البونابرتي» عليها التي وضعها الإنكليز خلال الحروب النابوليونية في القرن التاسع عشر، والتي نصّت على أن الوسيلة المثلى للقضاء على الذئب الفرنسي، هي إجباره على التقهقر إلى داخل حدوده، حيث سيختنق بأنفاسه أو ينهش نفسه بتفجر التناقضات الداخلية.
هذه على وجه التقريب قد تكون صورة الصراع التي برزت خلال عام من الحروب بعد «طوفان الأقصى».
لكن، ما فرص نجاح هذا المشروع الأميركي-الإسرائيلي الطموح والعنيف؟ وأيضاً ما فرص التصدي له؟
سنأتي إلى هذين السؤالين بعد قليل. قبل ذلك فلنحاول معاً تلمس الغابة التاريخية-الحضارية والإستراتيجية الكثيفة التي تختفي وراء شجرة الحروب الغربية-الإسرائيلية الراهنة ضد إقليمنا المشرقي المتوسطي.
ثلاثة منعطفات كبرى
الحضارة العربية-الإسلامية، كما هو معروف، آخر عنقود سلسلة الحضارات التي شهدها المشرق المتوسطي. وهي حضارات كانت بالفعل سلسلة واحدة متصلة يولد فيها الواحد من رحم الآخر، ويعكس كل منها الآخر كما شبكة «أندرا» الهندية التي تتكوَّن من شبكة لآلئ تعكس كل لؤلؤة فيها لؤلؤة أخرى وكل اللآلئ. والحضارة الإسلامية بالتحديد كانت في الدين، كما في الفكر والممارسة، الحصيلة الإبداعية لإدماج كل الثقافات المشرقية المتوسطية السابقة، من الهيلينية والفارسية إلى البيزنطية، وقبلها حضارات مصر وسومر وكنعان وفارس.
هذه الحضارة العريقة تمر في هذه الحقبة من الزمن بمنعطفات تاريخية وحضارية كبرى وخطيرة:
فهناك، أولاً، المنعطف الوجودي (بالمعنى الحرفي للكلمة)، حيث، من جهة، تجري الآن في بعض دوائر صنع القرار الدولي عملية منهجية ومدروسة لتهميش هذه الحضارة واستبعادها كلياً عن التوجهات لبناء نظام عالمي جديد متعدد الحضارات. ومن جهة أخرى، يؤدي موضوعياً تأخّر هذه الحضارة عن الانضمام بشكل مشترك إلى الثورة التكنولوجية الرابعة إلى وضعها على رأس الحضارات والمجتمعات المرشّحة للإبادات بكونها فوائض بشرية لم تعد ثمة حاجة إليها.
هذا المنعطف الموضوعي يتساوق مع عوامل ذاتية تتمثّل في منحيين خطيرين ومتقاطعين اثنين:
الأول، استمرار الدمار والتهجير والقتل عبر الحروب الأهلية التي يثيرها الغرب والتي لم تهدأ لحظة، ليس فقط منذ النصف الأول من القرن العشرين وحتى الآن، بل حتى منذ أن بدأت المعاول الإمبريالية الأوروبية تدمّر بنى هذه الحضارة ومكوناتها منذ منتصف القرن التاسع عشر.
والثاني، هو الانهيار البيئي- الإيكولوجي الذي يعاني منه إقليمنا المشرقي المتوسطي، بفعل تغيّر المناخ والتلوّث وسوء الإدارة والانفجار الديموغرافي، كما بفعل الحروب والصراعات التي تدمّر توازنات أمّنا الطبيعة. وهذا ما دفع هيئات الأمم المتحدة إلى تصنيف إقليمنا على أنه على رأس أقاليم العالم المُهددة بالانهيار الإيكولوجي الشامل. هذا في حين كانت هيئات دولية أخرى تقدّر أن الحروب وتغيَّر المناخ كلّفت المنطقة أكثر من 30 تريليون دولار خلال العقود الأربعة الأخيرة فقط، علاوة على أكبر موجة لاجئين في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وهناك، ثانياً، منعطف كبير آخر في موازين القوى الإقليمية، بعد أن قررت الحركة الصهيونية ومعها الرأسمالية النيوليبرالية الغربية واليهودية العالمية إعلان الحرب الفعلية على هذه الحضارة التي عاش اليهود في كنفها بسلام وازدهار طوال 1400 سنة (على عكس اضطهادهم في كل أنحاء العالم). وهذا المنحى انطلق بقوة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، حين دشّن برنارد لويس وتلميذه صموئيل هنتنغتون «حرب الحضارات» ضد الإسلام كدين وحضارة، بصفته «دين السيف والخطر الأكبر على الحضارة الغربية المسيحية هو والكونفوشيوسية الصينية»، على حد تعبيرهما. فيما كان هنري كيسنجر يقطع كلياً مع الحضارة الإسلامية، حين ركّز في كتابه ما قبل الأخير (النظام العالمي) على فكرة رئيسية يتيمة: «الإسلام لا ولن يقبل الخضوع للنظام العالمي الراهن، ويريد الهيمنة على العالم وإخضاعه لسيطرته كما كان يحاول أن يفعل منذ القرن السابع».
تبعاً لكل هذه المواقف التي تحوّلت إلى إستراتيجيات عملية، تم حشد كل الموارد الفكرية والثقافية والعسكرية والاستخبارية والسيبرانية (شن الحروب، وتفجير الصراعات الداخلية، وتدريب وتمويل المنظمات الإسلامية المتطرفة كما حدث قبل ذلك مع إنشاء الحركات اليسارية المتطرفة وتمويلها)، لخوض هذه الحرب. وتقاطع هذا التطور مع انطلاق الحركة الصهيونية والرأسمال اليهودي العالمي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقاً للخريطة التقسيمية التي نشرتها مجلة القوات البحرية الأميركية للكولونيل الأميركي رالف بيترز، ومع رضوخ عدد من الدول العربية للضغوط الأميركية حول التطبيع مع إسرائيل.
لن يستطيع المحور الثاني بقيادة إيران بمفرده إقامة نظام إقليمي جديد (ولا أيضاً تركيا التي حاولت ذلك هي الأخرى منذ 2011، وقبلها مصر الناصرية)، حتى ولو كانت مدعومة من روسيا والصين
ويبدو واضحاً الآن أن هذه الحرب العالمية بدأت تقترب من ذروتها، ليس فقط مع تحرّك الصهيونية لابتلاع كل أرض فلسطين التاريخية، بل أيضاً عبر العمل على تحويل القدس (التي تم تقريباً تهويدها) إلى المركز المالي اليهودي العالمي الجديد بدلاً من نيويورك، تحسباً لتطورات «لاسامية» في الداخل الأميركي غير ملائمة لليهود ورساميلهم. وهذه الخطوة المحتملة ليست مستجدة في الواقع، إذ شهد التاريخ قديمه والحديث انتقال المركز المالي اليهودي العالمي من إسطنبول وصفد وفيينا في القرون الوسطى إلى أمستردام والبندقية ولندن في العصور الحديثة، وصولاً اليوم إلى نيويورك كمركز، والأرجح غداً إلى القدس بكون إسرائيل الملاذ الآمن الوحيد ليهود العالم، وفقاً للنظرية الصهيونية.
بيد أن هذا التوجّه لن يتحقق إلا إذا توافرت له البيئة الإقليمية المناسبة. وهنا يبرز دور مشروع الممر الاقتصادي الأميركي-الإسرائيلي من بومباي إلى حيفا وأوروبا مروراً بمنطقة الخليج والأردن، الذي هو في الواقع نظام إقليمي جديد مرتبط بالعولمة النيوليبرالية ويقتصر على إسرائيل وبعض دول الخليج والأردن، حيث يتم عبره استبعاد الكيانات التي شكّلت كل تاريخ المنطقة وحضارتها وهي مصر وتركيا وإيران وباقي المكونات الدينية والإثنية في المنطقة.
وهذا يعني، بكلمات أوضح، أن المركز المالي- التكنولوجي اليهودي العالمي الجديد، يفترض حكماً تهميش غالبية دول المنطقة وشعوبها خارج هذا النظام، أو تدميرها، أو تحويلها إلى توابع مقسّمة ومجزأة وغارقة في الحروب والصراعات (كما الأمر الآن). وهذه الحصيلة، التي لا علاقة لها بنظريات المؤامرة، تحيلنا هي الأخرى إلى المنعطف الأول الوجودي الذي أشرنا إليه والمتعلق هو الآخر بصراع البقاء الأيكولوجي والإستراتيجي لإقليمنا الحضاري.
وهناك، ثالثاً، المنعطف الحضاري: إذ لم يعد خافياً أن النظام العالمي الذي كرّس بإحكام السيطرة الغربية على العالم منذ معاهدة وستفاليا 1648، يمر الآن بأضخم تحوّلاته، بعد أن انتقلت الرأسمالية إلى الطور المُتعولم، وبدأت تُمزّق في طريقها نسيج المجتمعات برمتها في الغرب بشطريه الأميركي والأوروبي، بكل ما يتضمّنه ذلك من انهيار لتماسك هذه المجتمعات وللقيم التي استندت إليها طوال أربعة قرون: من الديموقراطية وحقوق الإنسان، إلى النزعة القومية وحتى الوطنية، مروراً بالطبع بثقة هذه الكيانات المطلقة بتفوّقها الحضاري والإستراتيجي.
وفي الوقت نفسه، وبالتزامن مع هذه التحوّلات الغربية الضخمة، تشهد شطآن المحيطين الهادئ والهندي انقلابات كبرى بدأت تغيّر مجرى التاريخ المعاصر وتعيده إلى بعض ما كان عليه قبل القرن الخامس عشر، حين كانت الحضارات الآسيوية القديمة في قمرة القيادة العالمية اقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً. فاليابان والصين والهند، تصعد معاً للمرة الأولى في التاريخ، بعد أن كانت في السابق تتناوب على هذا الصعود مع غلبة في معظم الأحيان للحضارة الصينية، وتجر وراءها بقية النمور الآسيوية التي تزأر الآن في كل مكان مُعلنة هي الأخرى عن قرب ولادة «القرن الآسيوي».
بالطبع، كل ذلك لن يعني أن الغرب في طريقه إلى التهميش أو خسارة مقعده في غرفة هيئة أركان القيادة العالمية. لكنه سيعني حتماً أن النظام العالمي، لن يكون قريباً نادياً غربياً مُغلقاً تتكرر فيه ظاهرة مؤتمر فرساي الذي تتقاسم وتتناتش فيها الأطراف الغربية كل العالم، بل سيكون نظاماً متعدد الحضارات بدأت طلائعه في مجموعة العشرين التي تضم جل حضارات العالم، وفي المطالبات لتعديل بنية مجلس الأمن الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، وبقية مؤسسات النظام العالمي.
صحيح أن الحضارات الآسيوية العائدة إلى الفعل التاريخي ليست موحّدة أو متآخية، ويخترق الغرب الأميركي عدداً من مكوناتها (اليابان والهند خاصة)، لكن حتى لو قام هذا الغرب بتفجير التناقضات بينهما، إلا أن هذا سيجعلها تتطور أكثر وبالتالي تهمِّش أكثرَ أطرافاً أساسية في الغرب، تماماً كما حدث حين خاضت الدول الأوروبية الرئيسية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) حروبها مع بعضها البعض في القرن التاسع عشر، لكن ذلك أدى إلى سيطرتها على العالم بسبب تنامي قوتها.
يبقى في مشهد عودة الحضارات القديمة مسألة الحضارة الإسلامية، التي تتميز حتى الآن عن الحضارات الآسيوية الصاعدة بأن الغرب الرأسمالي يفرض عليها الحظر والاستبعاد والتهميش، ويحاول في الواقع أن يشطب من الوجود كل المشرق المتوسطي وكل العالم الإسلامي الذي يشكّل ثلث العالم ونصف تاريخ أوروبا نفسه.
كتب ريتشارد فولك: «الإسلام أصبح ضحية التمييز في النظام العالمي، في إطار ما أسميه "جيو- سياسة الإقصاء" في كلٍ من ديناميكيات الحوكمة العالمية والقضايا المحورية والرمزية التي لها أهمية عظيمة للعالم الإسلامي. هذا لا يعني أن ثمة مؤامرة ضد الإسلام يقودها زعماء الغرب، بل هذا جزء من "العالمية الزائفة" التي يطرحها الغربيون وتستبعد فيها كل الحضارات غير الغربية عن المشاركة في صياغة النظام العالمي».
بول كينيدي، أيضاً، لامس بوضوح عملية الإقصاء والتهميش هذه حين لاحظ أنه «من الصعب فعلاً تقدير ما إذا كانت البلدان الإسلامية تعيش كل هذا الاضطراب لأسباب ثقافية أم تاريخية. إذ غالباً ما يغيب عن أذهان النقاد الغربيين الذين يشددون على دور التعصب الديني في المنطقة وعلى التأخر التقاني والعقلية الإقطاعية، أن الإسلام كان، قبل قرون من النهضة الأوروبية يرسم سبيل التقدم للعالم في الرياضيات والجغرافيا والطب وعدد من الميادين العلمية والصناعية الأخرى، في وقت لم تكن اليابان أو أميركا قد عرفتاها بعد، أو كانت نادرة في أوروبا».
كارين أرمسترونغ، رأت أن عدم تسامح الغرب المسيحي مع الإسلام (واليهود) منذ الحروب الصليبية، لم يكن في الإمكان السيطرة عليه بالعقل أو المنطق، لأنه بات منغرزاً بعمق في الهوية المسيحية الأوروبية، وأضحى جزءاً من الطريقة التي يطل فيها الغربيون على العالم برمته. هذا في حين كان رواد النهضة الأوروبية في القرنين السابع والثامن عشر يعتبرون الحضارة الإسلامية خطراً وجودياً على الحضارة الأوروبية المسيحية، ويرفضون الاعتراف بها كديانة مستقلة بل هي كانت بالنسبة إليهم مجرد هرطقة مسيحية.
والآن، ومع تقاطع هذا التهميش الغربي مع الحرب العالمية الصهيونية-الرأسمالية النيوليبرالية… يتخذ هذا المنعطف الحضاري أبعاده الخطيرة، متوّجاً بذلك تقاطعه الخطر مع المنعطف الوجودي واختلال التوازن الإقليمي، والذي ليس من المغالاة في شيء القول إنه إذا لم تتوحّد قوى الحضارة الإسلامية لمجابهته، فسيكون مصيرها حقاً الإبادة أو الانقراض.
فلنستمع إلى ما يقوله الباحث الجيو-سياسي الأميركي جورج فريدمان في هذا الصدد في كتابه «الـ100 سنة المقبلة: توقعات للقرن الـ21»:
- هدف أميركا ليس النصر على العالم الإسلامي، بل ببساطة تمزيقه ودفعه للحرب ضد بعضه البعض. وفي هذا الإطار، أميركا خلقت الوحش الأصولي الإسلامي ثم تحركت لقتله.
- حتى لو انسحبت أميركا من المنطقة، فهذا لن يجعلنا نوقف الحروب الدينية والمذهبية في العالم الإسلامي المنقسم وغير المستقر منذ 1000 عام. إذ هناك إستراتيجية عليا أميركية في العالم الإسلامي، وليس خططاً عشوائية.
- عالم إسلامي في فوضى وغير قادر على التوحّد، يعني أن أميركا حققت هدفها الإستراتيجي. وما فعلته أميركا منذ 2001 هو خلق الفوضى في العالم الإسلامي. صحيح أميركا انهزمت في أفغانستان والعراق، لكن هذا غير مهم طالما أن المسلمين يقاتلون بعضهم البعض، فهذا يعني أن أميركا ربحت الحرب.
كيف نواجه؟
هكذا يتحدث بوضوح فريدمان، ومعه برنارد لويس وصموئيل هانتينغون وغيرهم رهط كبير من المفكرين والمحللين الإستراتيجيين الأميركيين، الأمر الذي يعيدنا إلى سؤالنا الأوليّ: كيف يمكن مواجهة هذا المخطط الرأسمالي الغربي- الصهيوني (ومع الأسف بعض العربي) الكبير الذي، كما أسلفنا، قد يكون الأضخم من نوعه منذ الحرب العالمية الأولى؟
نسارع هنا فوراً إلى القول:
إقليم المشرق المتوسطي (المنطقة العربية-الإسلامية) دخل بالفعل وبرمته منذ «طوفان الأقصى» في مرحلة تاريخية كبرى جديدة ستحدّد مصيره لسنوات عدة مقبلة.
ونسارع فوراً أيضاً إلى حشد أسباب هذه الخلاصة، والتي تتجاوز بأشواط مسألة المعارك العسكرية الراهنة الدائرة الآن في غزة ولبنان وبقية المنطقة رغم أهميتها القصوى:
أولاً، أطلق «الطوفان» العنان للمعركة الكبرى في الإقليم بين مشروعين إقليميين كبيرين:
الأول علني، متبلور، وواضح المعالم، يستند إلى تحالف إستراتيجي واقتصادي وحتى ثقافي (التطبيع الكامل) بين إسرائيل والسعودية وبقية دول الخليج والأردن والمغرب، برعاية الولايات المتحدة وإشرافها.
والثاني، مشروع إقليمي تحرري لا يزال غير متبلور وغير واضح المعالم والأطراف، لكن تجلياته الشعبية أكثر من جاهزة لحمله على الأكف في كل منطقتنا.
صحيح أن المحور الإيراني، الذي يشكّل العمود الفقري للمشروع الثاني، يتجسّد في حركات مقاومة مسلّحة في المنطقة العربية (من فلسطين ولبنان وسوريا والعراق إلى اليمن) تجاهر برفضها للمشروع الأول وترفض ليس فقط دور إسرائيل المركزي في المنطقة، بل وجود هذه الكيان نفسه، إلا أن مشروعها الإقليمي لا يزال عمومياً ويكاد يقتصر على الرفض والممانعة، رغم الأحاديث العابرة لدى بعض أوساط هذا المحور عن ضرورة «التوجّه شرقاً» نحو الصين وروسيا ومنظومة «البريكس» و«شنغهاي» لبناء نظام إقليمي جديد.
ما تجابهه منطقتنا بعد زلزال غزة ولبنان وما سيليه من تطورات مفاجئة كبرى، يرقى بالفعل إلى مرتبة الخطر الوجودي الحقيقي على إقليمنا برمته وعلى حضارتنا برمتها
ويزداد هذا المشروع الثاني ضبابية بسبب عدم اتضاح موقع مصر وتركيا فيه، اللتين تشكلان (كما هو معروف) ضلعي المثلث الذهبي الثلاثي مع إيران المكوّن لكل تاريخ المنطقة العربية-الإسلامية وحضارتها.
صحيح أن «طوفان الأقصى» وما تلاه وقد يليه، ومهما كانت النتائج التي ستسفر عن هذا الحدث التاريخي الجلل، ضعضع بضربة واحدة النظام الإقليمي الذي أقامته الولايات المتحدة وإسرائيل بعد حرب 1967، وهزّت بعنف أركان النظام الإقليمي الجديد الذي كانت واشنطن تُعد له منذ عام 1991، مرة بالتفاوض ومرات بالحروب، والذي تجسّد أخيراً في مشروع الممر الاقتصادي، لكن، وفي الوقت نفسه، لن يستطيع المحور الثاني بقيادة إيران بمفرده إقامة نظام إقليمي جديد (ولا أيضاً تركيا التي حاولت ذلك هي الأخرى منذ 2011، وقبلها مصر الناصرية)، حتى لو كانت مدعومة من روسيا والصين. وهذه المسألة، أي عجز أي طرف في المثلث الذهبي (العربي- التركي- الإيراني) من التفرد في إقامة نظام إقليمي، ليست مسألة راهنة تتعلّق بعائق القوة الإمبراطورية الأميركية وحدها، بل هي حقيقة تضرب جذورها عميقاً في التاريخ عبر ثلاثة مؤشرات:
1- أن كل الإمبراطوريات في تاريخ المنطقة، من الحثيين والفرس والفراعنة إلى العرب والعثمانيين، لم تكن لتستطيع إقامة نظامها الإقليمي إلا بالتمازج (وليس بالضرورة التوافق) بين هذه الأطراف الإقليمية الكبرى الثلاثة.
2- أن النظام الإقليمي الذي أقامته بريطانيا وفرنسا، ثم الولايات المتحدة، في العصور الحديثة في ما يسمى الشرق الأوسط، قام على أساس استخدام لعبة الكراسي الموسيقية بين مصر وتركيا وإيران. فمثلاً، حين «تمرّدت» مصر الناصرية على النظام الأميركي-الإسرائيلي، حرّكت واشنطن ضدها أنقرة وطهران (ومعهما بالطبع تل أبيب الوافدة حديثاً إلى النظام). وحين «تمرّدت» إيران الخميني على النظام، حرّضت واشنطن ضدها تركيا ومصر... وهكذا.
3- تركيا، وقبلها مصر الناصرية، حاولت إقامة نظام إقليمي جديد بمفردها (العثمانية الجديدة)، لكنها عجزت عن ذلك. والأرجح الآن أن تعجز إيران عن هذا إذا ما بقيت دعوتها إلى النظام الجديد بمعزل عن طرفي المثلث الذهبي الآخرين. قد يقال هنا إن الخلافات الإيديولوجية والجيوسياسية بين مصر وتركيا وإيران، وبغض النظر عن لعبة الكراسي الموسيقية الأميركية، عميقة وشاسعة إذ تعيق حتى أي تفكير في الحوار، ناهيك بالتعاون. وهذا صحيح. لكن، ثمة في المقابل عوامل جديدة تدفع ليس إلى التوافق على الإيديولوجيا والمصالح المنفردة للدولة/الأمة في كل منها، بل إلى التفاهم على صيغة وستفالية جديدة بينها توقف التدخلات الخارجية لكل منها في شؤونها الداخلية، وتحظر التوغلات الإيديولوجية، خاصة المذهبية منها، في التراكيب الدينية الراهنة.
من هذه العوامل أن الولايات المتحدة، الغارقة في أزماتها الداخلية الاجتماعية-الثقافية والاقتصادية ومعاركها الخارجية المُستنزفة مع روسيا والصين، لن تستطيع بسهولة (بعد «طوفان الأقصى») إقامة أي نظام إقليمي جديد في المنطقة، إلا بعد حرب إقليمية عامة تكاد تكون عالمية. وأصلاً هي لم تكن تريد إقامة ترتيبات لتحقيق الاستقرار والسلام في هذا الإقليم (كما ادّعى الرئيس بايدن في مقال له في «واشنطن بوست»)، بل في الواقع الانسحاب من الشرق الأوسط والتفرّغ لمنطقة شرق آسيا/الباسيفيك التي تسيطر الآن على نحو 60 في المئة من حجم التجارة العالمية، عبر تسليم إسرائيل قيادة هذه الترتيبات الإقليمية الجديدة.
الولايات المتحدة جرّبت منذ عام 2001 تغيير المنطقة بحروبها في أفغانستان والعراق، والتي كان يفترض أن تتمدد سريعاً إلى سوريا وإيران. وحين فشلت، لجأت منذ عام 2011 إلى تفجير المنطقة من داخلها ونشر الفوضى التامة فيها. والآن، وبعد زلزال غزة ولبنان وإيران وبقية المنطقة، قد يتعمّق على الأرجح هذا التوجّه الأميركي لنشر الفوضى، وسيطال حتماً (وهو بدأ يطال بالفعل) تركيا ومصر وبالطبع إيران.
وفي الوقت نفسه، اتضح من مشروع الممر الاقتصادي الهندي-الخليجي-الإسرائيلي أن كلاً من مصر وتركيا مقصيتان منه، إلا ربما كأطراف هامشية تابعة أو ملحقة بالنظام الإقليمي لهذا المشروع. وهذا ينطبق على وجه الخصوص على مصر التي تتعرّض الآن إلى «حصار وحشي» (على حد تعبير محلل روسي) رغم تحالفها مع الولايات المتحدة، يتمثّل في شق قناة بن غوريون المنافسة بقوة لقناة السويس، واستمرار محاولة خنقها المائي عبر سد النهضة الإثيوبي، والجهود الإسرائيلية- السعودية لإبعادها عن البحر الأحمر، وإشعال الحرائق في حديقتها الخلفية في السودان وليبيا، وأخيراً عبر محاولات تهجير مليوني فلسطيني إلى أراضيها في سيناء.
المصلحة الأولى الآن لأركان المثلث الذهبي، هو وقف تمدد الفوضى الأميركية-الإسرائيلية إلى مواطنها.
ثم: ثمة مصلحة ثانية لا تقل أهمية: الحروب الداخلية على أنواعها التي استعرَت في الإقليم منذ عام 1991 ووصلت إلى ذروتها في عام 2011، أصابت كل دول المثلث بالإرهاق الشديد، وكلّفت المنطقة ككل أكثر بكثير من التريليون دولار اقتصادياً، وملايين اللاجئين ديموغرافياً، وتآكلاً هائلاً في بنية البيئة الطبيعية.
ثم أيضاً وأيضاً هناك ثمة مصلحة «ضميرية»، إذا جاز التعبير، لدى قادة هذا المثلث بإنقاذ حضارتنا المشرقية العريقة المهدّدة بزوال حقيقي على يد كوارث لا تحصى بيئية واجتماعية واقتصادية وديموغرافية، كما حذّر مؤخراً مسؤول إيراني.
ربما بات واضحاً الآن أن ما تجابهه منطقتنا بعد زلزال غزة ولبنان وما سيليه من تطورات مفاجئة كبرى، يرقى بالفعل إلى مرتبة الخطر الوجودي الحقيقي على إقليمنا برمته وعلى حضارتنا برمتها. كما أنه في الوقت نفسه يوفّر فرصة هائلة كي يستعيد إقليمنا الحضاري الكبير استقلاله وحريته ودوره التاريخي الموحّد في العالم. وهذا ما يفرض على قادة المشروع الإقليمي الثاني بلورة هذا المشروع في صيغ محددة وواضحة اقتصادياً وثقافياً كما إستراتيجياً، بالتوافق مع الصين وروسيا وقوى «البريكس»، كي تتمكّن منطقتنا من إجهاض المحاولات الأميركية-الإسرائيلية الكثيفة لإنفاذ مشروعها الإقليمي بالحديد والنار ونشر الدمار في كل مكان.
كلمة أخيرة: قد تستطيع أميركا وإسرائيل تسريع خطى تاريخ مشروعهما الضخم الجديد في مشرقنا المتوسطي، لكن هذا لن يعني بأي حال «نهاية التاريخ». لا بل قد يكون هذا بالنسبة إلى حضارتنا العريقة التي تعود إلى ستة آلاف سنة هي بداية جديدة للتاريخ، إذا ما نهضت قوى المثلث الذهبي ونخبه بمسؤولياتها.
وحينها سيتسارع التاريخ أيضاً، ولكنه سيتسارع في الاتجاه الصحيح.
* كاتب ومدير منتدى التكامل الإقليمي
